فن البيع- عن الإيكونومست

القول بنهاية موظفي المبيعات فيه الكثير من المبالغة

Image source: http://www.economist.com/node/21533371

Image source: http://www.economist.com/node/21533371

 

 

 ورث Würth ، شركة عائلية ألمانية، تصنّع كل ما يخطر على البال من منتجات أساسية مثل البراغي، والمسامير, والعزق. قد تعتقد أن شركة كهذه لا تحتاج لموظفي المبيعات، لكنها في الحقيقة توظف 3000 مندوب مبيعات، تسميهم “القلب النابض”، وتشد على أيديهم، وعندما يؤدي أحدهم أداءً استثنائياً ترسل الشركة رسالة تهنئ فيها زوجته.

 هناك تقارير يتم تداولها منذ بداية ثورة الإنترنت الأولى تتحدث عن نهاية الحاجة لرجال المبيعات. فالمستهلكون هم من يقومون بعملية البحث الآن، والشركات تتجه أكثر نحو أتمتة عملية الشراء ونحو المزادات المعكوسة (Reverse auction) حيث كل ما يهم هو السعر فقط. كما أن الكم الكبير من المعلومات في الإنترنت، كالتصنيفات والمقارنات زادت من صعوبة عملية البيع. وأصبح المستهلكون أكثر تخوفاً من أي يتم خداعهم، بسبب أعمال اعتادت الشركات على فعلها.  فكانت شركات الأدوية على سبيل المثال  تختار مندوبي مبيعاتها من الفتيات الجميلات بهدف التأثير على الأطباء ودفعهم لوصف أدويتهم للمرضى. لكن التأثير على الأطباء صعب جداً هذه الأيام (ونسبة كبيرة منهم من النساء هذه الأيام)، بل إن شركات الأدوية تعتبر الوصول إلى الأطباء ومقابلتهم أمر صعب جداً.

 دفعت هذه التغييرات العديد من الشركات إلى تخفيض عدد بائعيها، فقامت شركات الأدوية بخفض عدد موظفي المبيعات لديها بنسبة 30% بين عامي 2006  و2011 بحسب ZS Associates الشركة الاستشارية المتخصصة بالمبيعات، واستبدلت العديد من البائعين المتجولين بموظفي مبيعات على الهاتف، كذلك قامت شركات التجزئة الأمريكية  بخفض عدد موظفي المبيعات لديها لدرجة قد تجعلها تفوّت على نفسها الكثير من الفرص.

 لكن رجل المبيعات لا يزال مهمّاً كما كان أبداً. ففي مبيعات السيارات لا يزال رجل المبيعات الأكثر قدرة على بيع الكم الأكبر من السيارات على الرغم من محاولات صانعي السيارات للبيع على الإنترنت. أضف إلى هذا أن وجود اللمسة الشخصية أمر جوهري في أسواق مثل آسيا. مثلا تعتمد شركة آمواي Amway، اعتمادا كاملاً على البيع المباشر وتعتبر الصين أكبر سوق لها. وهناك كذلك الشركتان المتنافستان آفون Avon وماري كاي Mary Kay  اللتان تحققان نمواً سريعاً هناك.

 وحتى أن الشركات الفتية بدأت تعتنق تقنيات البيع القديمة مرة أخرى. يذكر الكاتب فيليب ديلفز بروتون في كتابه “فن البيع”، أنه عندما زار شركة salesforce.com التي تبيع خدمات لدعم البيع عبر الإنترنت، وجد غرفة ضخمة مليئة برجال المبيعات من الخريجين الجدد يتحدثون بحماس على الهاتف. وجوجل أيضاً، صحيح أنها في عمقها شركة بنيت حول الخوارزميات المعقدة، لكن لديها أيضاً آلاف رجال مبيعات من لحم ودم يبيعون الإعلانات. وأبل  التي تبيع الملايين من حواسيب آي-ماك عبر الإنترنت، لديها متاجر مثلها مثل أي متجر يعتمد الأسلوب القديم في البيع. وبينما يبيع منافسو آبل حواسيبهم في صناديق كبيرة لا روح فيها، تحرص أبل على الإبقاء على أدق التفاصيل النفسية: فمثلا، موظفو أبل ممنوعون من التصحيح للزبائن الذين يخطؤون بلفظ أسماء منتجات آبل، فإن قالو إيماك، أو آي-ماك، ماالفرق؟

 لكن التراجيديا التي يعيشها رجل المبيعات هذه الأيام في الشركات الحديثة لا تكمن في أنه مهدد بالخروج من العمل، لكنها تتمحور حول أن رجل المبيعات لا يلق َالاحترام. فنادراً ما ترى في المناصب الرفيعة في الشركات منصب “رئيس شؤون المبيعات”، ونادراً ما ترى رؤساء الشركات يأتون من أقسام المبيعات. وحتى لا ينفر الخريجون الجدد، تقوم أقسام التوظيف في الشركات باختراع عبارات تلطّف من اسم الوظائف المتوفرة في أقسام المبيعات، فتصبح مثلاً “استشاري”. شركات قليلة فقط، مثل ورث Würth تؤدي لرجال المبيعات حقهم، أما الآخرون فهم يتفقون مع رسام الكاريكتر أدام سكوت الذي عندما طلبت شخصيته الكرتونية الشهيرة “كيني رجل المبيعات” من مهندس في إحدى الشركات أن يشرح له عن الميزات التقنية للمنتج الجديد، قال المهندس  له: “لون المنتج  بني فاتح، ويعمل بالكهرباء”، هنا يصرخ كيني بفرح “واو، هذا أكثر مما أحتاجه”.

 وتتعمق مأساة رجل المبيعات، فمعظم النظريات في علم الإدارة تتجاهل البيع. فقد كتب بيتر دركر، أحد أشهر المفكرين في علم الإدارة، أنّ “هدف التسويق جعل عملية البيع غير ضرورية”، كما أن معظم كليات إدارة الأعمال لا تقوم بتدريس المبيعات كمادة مستقلة في برامج ماجستر إدارة الأعمال، وعندما يقوم الاستشاريون بوضع الاستراتيجيات المفصلّة إلى أدق الجزئيات، تراهم لا يأتون على ذكر المبيعات ويديرون ظهورهم لها.

 أظهر كتاب جديد بعنوان “نمو المبيعات: نظرة متعمقة من أهم المدراء التنفيذيين للمبيعات”، شارك في كتابته استشاريون من شركة الاستشارات الشهيرة مكانزي McKinsey هم ثوماس باومغارتنتر، هومايون هاتامي، وجون فانجر آرك أنّ أداء موظفي المبيعات في الشركة الواحدة يحدده عادة عامل من بين ثلاثة، ,وأنّ أداء فريق المبيعات هو الذي يصنع الفارق الذي يجعل الشركة جيدة أو سيئة وأهمية هذا الأداء تتجاوز أهمية أداء أقسام أخرى مثل إدارة سلاسل التوريد، أو المشتريات أو الموارد المالية.

يحبونه لكن ليس كثيراً

هناك مؤشرات الآن على أنّ الشركات بدأت تهتم بالمبيعات من جديد، ويحاول البعض تحويلها من فن إلى علم.  هذا يعني وضع معايير موحدة مستلهمة من أداء أنجح موظفي المبيعات. ولذلك بدأت الشركات تتابع أداء مندوبيها عن قرب، ولدرجة فيها بعض المبالغة، وذلك عن طريق أدوات تسمح لمدراء المبيعات متابعة أداء أعضاء فريقهم كأداة شركة salesforce.com. ولأن الشركات أصبحت تدرك أهمية المبيعات، أصبحت تدلل أهم زبائنها بفريق كبير ومعقد من موظفي المبيعات يتضمن موظفين من مختلف الأقسام.

 وفي هذه الاثناء، يستمر النقاش مستعراً حول المبيعات. وأكثرها حدة يتعلق بكيفية الدفع لموظفي المبيعات. هل يجب دفع رواتب لهم، أم يجب مكافأتهم يومياً من خلال العمولة؟ لطالما فضلت الشركات الأمريكية خيار دفع عمولة أكبر من الراتب، لكنها هذه الأيام تسلك الطريقة الأوروبية في جعل الراتب النسبة الأكبر مما تدفعه لموظفي المبيعات. أما في اليابان فيحصل موظفو المبيعات على راتب فقط. بينما يفضل عادة موظفو المبيعات في الصين والهند الحصول على عمولة فقط، فهذا بنظرهم طريقة سريعة للحصول على المال، كما يقول نيجل بيرسي البروفسور في جامعة وارويك University of Warwick  والذي أجرى دراسة حول طرق الدفع لموظفي المبيعات.

وفي النهاية، لا فرق إن كانوا يسمونهم “صانعو المطر” (وهو مصطلح تستخدمه بنوك الاستثمار) أو كان اسمهم “باعة متجولين”، ولا فرق إن كانوا يمشون في الشوارع أو يطرقون الأبواب، يبيعون ما هو معدني (سيارات) أو ما يأتي مغلفاً في صناديق (كناسخات الأوراق)، يبقى رجال المبيعات الأبطال المجهولين في عالم الأعمال. فهم يقاتلون يومياً وبشجاعة ضد الشركات المنافسة، وضد المستهلكين الأغبياء الذين يفضلون التشبث بمالهم الذي اكتسبوه بشق النفس،  فيجمعون معلومات حيوية عن ما يفضله المستهلكون وعن تحركات الخصوم المنافسين. لا تعروا انتباهاً للخبراء، أو لمصممي الاستراتيجيات، أو للمحاسبين، أو المصممين، فكروا للحظة بموت ويلي لومان (من مسرحية موت بائع جوّال) ذو الابتسامة العريضة والحذاء اللامع.

نُشرت النسخة الإنجليزية من هذا المقال في عدد 22 أكتوبر 2011 في مجلة الإيكونومست البريطانية، وهي مقالة في قسم شومبيتر Schumpeter الأسبوعي الثابت في المجلة والذي بدأته الإيكونومست في عام 2009 تخليداً لذكرى جوزيف شومبيتر عالم الاقتصاد الشهير.




ما رأيك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.