8 أخطاء يرتكبها دماغنا لا شعورياً كل يوم

سيُذهل دماغك ما ُيُكتب هنا.

Matthew Burpee

Matthew Burpee

فوجئت جداً عند معرفة أخطاء التفكير التي أرتكبها طوال الوقت دون وعي مني. لا شك أن أياً منها ليس خطأً جسيماً، أو خطأ يهدد الحياة، لكنها بلا شك أخطاء مفاجئة وتجنبها سيجعلنا نتخذ قرارات أكثر منطقية وتعقلاً.

إدراكنا لهذه الأخطاء الطبيعية في تفكيرنا أمر مهم لتجنب الوقوع فيها. لسوء الحظ، معظمها يحدث خارج نطاق الوعي، لهذا سيستغرق الأمر وقتاً وجهداً لتجنبها، هذا بالطبع إن أردت تجنبها.

لكن بغض النظر عن رغبتك بتجنبها أم لا، أعتقد أنه أمر مذهل معرفة المزيد عن طريقة تفكيرنا وكيفية اتخاذنا للقرارات كل يوم، هيا بنا ننظر إلى بعض هذه العادات في التفكير التي لا نعرف بوجودها.

 

1. نحن نحيط أنفسنا بمعلومات توافق معتقداتنا

نحن نميل لحب الأشخاص الذين يفكرون مثلنا. إذا توافقت معتقدات شخصٍ ما مع معتقداتنا، فنحن على الأغلب سنكوّن صداقة معه. قد لا يبدو الأمر منطقياً، إلا أنه يعني أننا دون وعي منا نبدأ بتجاهل أو صرف النظر عن أي شيء يهدد نظرتنا للعالم، بما أننا أحطنا أنفسنا مسبقاً بأناس ومعلومات تؤكد ما نفكر فيها.

يعرف هذا باسم الانحياز التأكيدي Confirmation Bias. وهو مشابه جداً لما يعرف بوهم التكرارfrequency illusion. يحصل وهم التكرار مثلاً عندما تشتري سيارة، وفجأة تبدأ برؤية نفس السيارة في كل مكان. أو عندما تبدأ امرأة حامل بملاحظة وجود الكثير من النساء الحوامل في كل  مكان. هي تجربة غير نشطة، تسعى فيها أدمغتنا للحصول على معلومات لها علاقة بنا، لكننا نعتقد فعلاً أن هناك زيادة حقيقية في تكرار هذه الحوادث.

أما الانحياز التأكيدي فهو نوع نشط من نفس التجربة. فهو يحدث عندما نبادر بالسعي وراء معلومات تؤكد ما لدينا من معتقدات.

ونحن لا نقوم بهذا فقط مع المعلومات التي نستقبلها، ولكننا أيضاً نعالج ذكرياتنا بهذه الطريقة ايضاً. في تجربة أجريت في عام 1979 في جامعة مينيسوتا، قرأ المشاركون في التجربة قصة عن امرأة تدعى جين لعبت دور الشخص المنفتح في بعض المواقف ودور الشخص المنطوي في مواقف أخرى. عندما عاد المشاركون بعد بضعة أيام، تم تقسيمهم إلى مجموعتين. سُئلت المجموعة الأولى فيما إذا كانت جين تناسب العمل في مكتبة، وسئلت المجموعة الثانية فيما إذا كانت جين تناسب العمل كوكيل بيع عقارات.

تذكرت المجموعة التي سُئلت عن مناسبة جين للعمل في المكتبة أن جين كانت شخصاً منطوياً وقالوا بأنها لا تصلح لأن تكون وكيل عقارات. أما المجموعة التي سئلت عن صلاحية جين للعمل كوكيل عقارات ففعلت العكس تماماً: فقد تذكرت أن جين كانت شخصاً منفتحاً وقالوا أنها تصلح للعمل كوكيل عقارات، وعندما سئلوا لاحقاً فيما إذا كانت تصلح للعمل في مكتبة، قالوا لا.

في عام 2009، أظهرت دراسة من جامعة أوهايو أننا سنعطي وقتاً أطول بـ 36% لقراءة مقال إذا كان يتماشى مع آرائنا.

كلما كانت آراؤك ومعتقداتك متداخلة مع صورتك عن نفسك لن تستطيع إبعادهما عن بعضهما دون إلحاق ضرر بجوهر مفهومك عن نفسك، لهذا فأنت تتجنب المواقف التي تسبب ضرراً لمعتقداتك. دافيد ماك راني.

في الملخص الدعائي الذي يُقدّم فيه دافيد ماك-راني لكتابه، أنت الآن أقل غباءً You are Now Less Dumb، يشرح هذا المبدأ بشكل جيد جداً بقصة عن الناس الذين لطالما اعتقدوا أن الإوز ينمو على الشجر (ليس الأمر مزحة)، وكيف أنّ تحدي آرائنا بشكل دوري هو الطريقة الوحيدة لتجنب الوقوع في الانحياز التأكيدي.

 

2. نحن نعتقد بـوهم “جسد السبّاح”

هذا الخطأ هو المفضل لدي من بين ما وجدته. في كتابه، فن التفكير بوضوح، يشرح رولف دوبيلي كيف أن أفكارنا عن الموهبة والتدريب المكثف بعيدة عن الحقيقية:

السبب في أن لدى السباحين المحترفين جسداً مثالياً ليس لأنهم يتدربون كثيراً. لكنهم في الحقيقة سباحون جيدون بسبب شكل أجسادهم. الشكل الذي صممت فيه أجسادهم عامل في اختيارهم ليكونوا سباحين وليس نتيجة لنشاطهم في التدرب.

يحدث “وهم جسد السبّاح” عندما نخلط بين عوامل الاختيار والنتائج. هناك مثال آخر جيد هو من الجامعات الأفضل أداءً: هل هي بالفعل أفضل الجامعات، أم هي الأفضل لأنهم يختارون أفضل الطلاب، من سيكون أداؤه أفضل بغض النظر عن تأثير الجامعة؟

بينما كنت أبحث في هذا القسم تذكرت هذا السطر من كتاب دوبيلي:

لولا هذا الوهم، لن تؤتي نصف الحملات الدعائية ثمارها.

فكر بالأمر، وستراه منطقياً جداً. لو أننا نؤمن بأن لدينا ما يلزم لنكون جيدين في أمور محددة ( أو لا)، فلن نلتفت إلى تلك الحملات الدعائية التي تعد بتحسين مهاراتنا في مجالاتٍ فرصنا للتفوق فيها ضعيفة جداً.

 

3. نحن نجزع لفقدان أشياءٍ ذهبت ولا يمكن استرجاعها

يعرف هذا باسم “خطأ التكلفة الضائعة” Sunk Cost Fallacy، وأنا شخصياً مهما حاولتُ تجنب الوقوع فيه، تجدني دائماً أنجذب إليه. 

يشير مصطلح “التكلفة الضائعة” إلى أي تكلفة (ليس المالية منها فقط، لكن تكلفة الوقت والجهد) التي تم دفعها  ولا يمكن استرجاعها. أي أنها بشكل عام تكلفة بالوقت أو المال دُفعت، وذهبت للأبد.

السبب في أننا لا نستطيع تجاهل هذه التكلفة مع أنها دُفعت وانتهى الأمر، هو أننا مُصَمَّمون بحيث يكون شعورنا بالخسارة أقوى من شعورنا بالكسب. يشرح عالم النفس دانييل كاهنمان هذا في كتابه التفكير بسرعة والتفكير ببطء:

 الكائنات التي أعطت أولوية لتجنب الأخطار على حساب الاستفادة من الفرص كانت حظوظها  أعلى في توريث جيناتها. لهذا، وبمرور الزمان، كان مفهوم الخسارة حافزاً ذو تأثير أقوى على سلوكك أقوى من تأثير الوعد بالحصول على مكسب.

ومغالطة التكلفة الضائعة تستغل هذا الميل لدينا لتأكد لنا أننا خسرنا. يظهر هذا بشكل واضح في هذه الدراسة:

قام هال أركيس و كاثرين بلامر بتجربة في عام 1985  أظهرت كيف أنك تميل لتصبح مشوشاً عندما تأتيك التكاليف الضائعة. طلبوا من الخاضعين للتجربة أن يعتبروا أنهم أنفقوا 100$ على تذكرة لرحلة تزلج في ميتشيغن، ولكنهم بعد مدة قصيرة وجدوا رحلة أخرى أفضل من السابقة في ويسكنسون بسعر 50$ وقاموا بشراء تذكرة لهذه الرحلة أيضاً. ثم طلبوا من المشاركين في التجربة أن يتخيلوا أن هناك تداخلاً في موعد الرحلتين وأنه لا يمكنهم استرداد  أياً مما دفعوه للرحلتين أو بيع أي منهما  لشخص آخر. فأي الرحلتين سيختارون، الرحلة  الجيدة التي دفعوا لها 100$، أم الرحلة الأفضل التي كلفتهم 50$؟

أكثر من نصف الناس اختاروا الرحلة التي كلفتهم أكثر. صحيح أنها ليست جيدة مثل الرحلة الأخرى، لكن خسائرهم فيها بدت أكبر.

لذا، ومثل بقية الأخطاء التي شرحتها في هذا المقال، تؤدي بنا أيضاً مغالطة التكلفة الضائعة إلى تضييع أو تجاهل الحقائق المنطقية التي تُقدم لنا، وتجعلنا نتخذ قرارات غير منطقية اعتماداً على عواطفنا، وحتى دون التفكير بأننا نقوم بذلك:

تمنعك هذه المغالطة من إدراك أن الخيار الأفضل الذي عليك المضي به هو الخيار الذي يعد بتقديم التجربة الأفضل في المستقبل، وليس تلك التي تُبطل الشعور بخسارة من الماضي.

من الصعب تجنب هذه الاستجابة لأنها تحدث في اللاوعي. وأفضل ما يمكنك فعله هو محاولة فصل الحقائق الحالية التي لدينا عن أي شيء حدث في الماضي. مثلاً، إذا اشتريت تذكرة للسينما واكتشفت أن الفيلم سيء، فأمامك خياران:

  • ابق وشاهد الفيلم، لتحصل على “قيمة ما دفعته لحضور الفيلم” بما أنك اشتريت التذكرة (مغالطة التكلفة الضائعة).

أو

  • غادر السينما واستخدم هذا الوقت للقيام بشيء آخر تستمتع به.

فقط تذكر ما يلي: لا يمكنك استرداد ما استثمرته، فقد ذهب دون عودة. لا تدعه يؤثر على حكمك وعلى أي قرار تتخذه في هذه اللحظة، اتركه في الماضي.

 

4. نحن نسيء التنبؤ بالاحتمالات

تخيل نفسك تلعب لعبة النقش والوجه. ترمي القطعة النقدية في الهواء، وتحاول في كل مرة توقع إن كان الوجه سيظهر أم النقش. لكل احتمال فرصة 50/50  بالظهور.

الآن، افترض أنك قلبت القطعة النقدية 5 مرات حتى الآن، وفي كل مرة من هذه المرات الخمس كان يظهر الوجه. بالتأكيد، لا مجال للشك، أن المرة القادمة سيظهر النقش، أليس كذلك؟  فلا شك أن فرص ظهور النقش أصبحت أكبر الآن، أليس كذلك؟

لا، غير صحيح. فرص ظهور النقش لا زالت 50/50 . وسيبقى هذا في كل مرة. حتى لو ظهر لك الوجه عشرين مرة، لن تتغير الاحتمالات.

و”مغالطة المقامر” gambler’s fallacy  هي شائبة في تفكيرنا – فنحن مرة أخرى نثبت أننا مخلوقات غير منطقية. تحدث المشكلة عندما نضع الكثير من الثقل على الأحداث السابقة، معتقدين أنه سيكون لها تأثير على ما سيأتي في المستقبل (كذلك في حالة النقش والوجه، ليس للأحداث السابقة أي تأثير على الاحتمالات.)

لسوء الحظ، يتأثر الإدمان على القمار بشكل خاص بهذا النوع من الخطأ في التفكير – الانحياز للتوقع الإيجابي. وهو يحدث عندما نعتقد بشكل خاطئ أن حظنا سيصبح أفضل في نهاية المطاف. فنحن بشكل ما نجد استحالة في تقبّل النتائج السيئة والتوقف – فنصر على الاستمرار بالأمر حتى نحصل على نتائج إيجابية، بغض النظر عن احتماليات حصول ذلك الشيء الذي ننتظره.

 

5. نبرر لأنفسنا مشتريات لا نريدها

أنا مذنب في هذا الأمر كما أي شخص آخر. كم مرة رجعتَ إلى المنزل بعد رحلة تسوق ووجدت نفسك أقل من راضٍ عن ما اشتريته وبدأتَ تبرر لنفسك هذه المشتريات؟ ربما لم تُرد هذه الأغراض بالأساس، أو أنك أدركت متأخراً أن سعرها كان باهظاً، أو أنها ربما لم تؤدي الغرض من شرائها، بل وكانت عديمة الفائدة.

بغض النظر، نحن جيدون جداً في إقناع أنفسنا أن هذه المشتريات الغير مفيدة والسيئة الاختيار هي جيدة في نهاية الأمر. هذا ما يعرف باسم تبرير ما بعد الشراء post-purchase rationalization أو متلازمة ستوكهلوم لدى المشتري Buyer’s Stockholm Syndrome.

ويأتي السبب في شرح لماذا نحن جيدون جداً في تبرير هذه الأشياء من علم النفس:

يقول علماء النفس أن هذا ينبثق من مبدأ الالتزام، من رغبتنا النفسية بالبقاء متوافقين وتجنب الدخول في حالة التنافر الإدراكي Cognitive Dissonace.

التنافر الإداركي هو حالة عدم الراحة التي تتملكنا عندما نحاول التمسك بفكرتين أو نظريتين متنافستين.  مثلاً، إذا كنا نعتقد أننا أشخاص لطيفون مع الغرباء، لكننا رأينا شخصاً يسقط ولم نتوقف لمساعدته، سيتكون لدينا أفكار متناقضة عن أنفسنا: نحن لطيفون نحو الغرباء، لكننا لم نكن لطيفين نحو ذلك الغريب الذي رأيناه يسقط. يخلق هذا الكثير من عدم الراحة بحيث علينا تغيير تفكيرنا ليصبح متوافقاً مع أفعالنا – كأن نبدأ مثلاً بالتفكير بأنفسنا على أننا أشخاص غير لطيفين، بما أن هذا ما تثبته أفعالنا.

لهذا السبب نحن نحتاج لتبرير مشترياتنا في حالة الشراء الاندفاعي Impluse Shopping  حتى نصدق حقيقة أننا احتجنا شراء هذه الأشياء، بحيث تكون أفكارنا عن أنفسنا متماشية مع أفعالنا (القيام بالشراء).

والخدعة التي نقع فيها هنا هو أننا نتصرف قبل أن نفكر، مما لا يترك لنا خياراً إلا تبرير أفعالنا لاحقاً.

يمكن لإدراكنا لهذا الخطأ أن يساعدنا في تجنبه من خلال تنبؤ حدوثه قبل القيام بالشراء – مثلاً، بينما نقوم بتقييم شراء ما، نحن عادة نعرف أنه سيكون علينا تبريره لأنفسنا لاحقاً. إذا استطعنا تمييز هذا، ربما يمكننا تجنبه. لكن الأمر ليس سهلاً على أي حال.

 

6. نتخذ قرارات بناءً على تأثير الارتساء

دان آرييل اقتصادي سلوكي يقدم واحدة من أفضل الخطابات في مؤتمر تيد عن اللامنطقية في الدماغ البشري في اتخاذ القرار.

وهو يوضح بشكل ممتاز هذا الخطأ في تفكيرنا من خلال عدة أمثلة. بشكل عام، يكون تأثير الارتساء ِAnchoring Effect على الشكل التالي: بدل التركيز في اتخاذ القرارات على قيمة استثمارنا (الوقت، المال، وغيرها) ترانا نأخذ بالحسبان عوامل أخرى للمقارنة – أي كم الفائدة (Value) التي يوفرها خيار ما مقارنة بخيار آخر.

لننظر إلى بعض الأمثلة من دان، كشرح عملي لهذا:

أحد الأمثلة هو تجربة قام بها دان باستخدام نوعين من الشوكولاته معروضتين للبيع في حجرة: شوكولا هرشي كيسيز، وشوكولا لندت ترافلز. كان سعر شوكولا كيسيز سنتاً واحداً، أما الترافلز فكان سعر الواحدة 15 سنتاً. بالنظر إلى اختلاف نوعيتهما وأسعارهما الاعتيادية، تعتبر الترافلز بلا شك صفقة رابحة، وبالفعل اختار معظم الزوار الترافلز.

في المرحلة الثانية من هذه التجربة، قدّم دان نفس الخيارين، ولكنه قلل من سعر كل منهما سنتاً وحداُ. أي أصبحت الآن الكيسيز مجانية،  وأصبحت الترافلز 14 سنتاُ للقطعة. أصبحت بلا شك الترافلز الآن صفقة مثالية أكثر، لكن بما أن الكيسيز أصبحت مجانية، فإن معظم الناس اختاروا أخذها.

دائماً ما يكون نظام “كراهية الخسارة Loss Aversion” متيقظاً لديك، وفي وضع التأهب لمنعك من إعطاء أكثر مما يمكنك إعطاؤه، ليجعلك تحسب الفارق بين التكلفة والمكافأة كلما اتحيت لك الفرصة. من كتاب أنت لست ذكياً جداً

يعطي دان مثالاً آخر خلال الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر تيد هو عندما تعطي المستهلكين خيارات لإجازتهم ليختاروا منها. عندما يكون أمامك خيار الذهاب إلى روما، في رحلة تشمل كل المصاريف، أو في رحلة مماثلة تماماً إلى باريس، فإن الخيار يكون صعباً. فكل مدينة تقدم طعاماً وحضارة وتجربة سفر مختلفة تماماً على المستهلك الاختيار بينها.

لكن عند إضافة خيار ثالث، مثلاً نفس الرحلة إلى روما، لكن مع جعل قهوة الصباح غير مشمولة في العرض، فإن الأشياء تتغير. عندما يرى المشترون أن عليهم دفع 2.50 يورو للقهوة في الخيار الثالث للرحلة، ستتغير عندها نظرتهم للرحلة الأصلية إلى روما ولن يعودوا يرونها كخيار رائع مقارنة بالخيارين الآخرين، بل سيرونهاأيضاً تتفوق على رحلة باريس. حتى لو لم تكن القهوة في بالهم  في البداية، قبل إضافة الخيار الثالث.

وهنا مثال آخر من تجربة آخرى قام بها دان:

وجد دان هذا الإعلان للاشتراك في مجلة الإيكونومست واستخدمه ليرى كيف أن خياراً لا فائدة فيه (مثل رحلة إلى روما دون قهوة) يؤثر على قراراتنا.

كان هناك في البداية ثلاثة خيارات:  اشترك بالنسخة الإلكترونية من الإيكونومست مقابل 59$، أو النسخة المطبوعة مقابل 125$، أو اشترك بالنسختين المطبوعة والإلكترونية مقابل 125$. واضح جداً أي الخيارات هو الخيار العديم الفائدة. عندما أعطى دان استمارة الاشتراك هذه إلى 100 طالب من معهد MIT وسأألهم أي خيار سيختارون، اختار 84% منهم العرض الشامل مقابل 125%. واختار 16% منهم العرض الأرخص، أي النسخة الإلكترونية، ولم يختر أي أحد خيار النسخة المطبوعة مقابل 125$.

بعد ذلك، أزال دان خيار النسخة المطبوعة “العديم الفائدة” والذي لم يرد أحد شراءه وقام بالتجربة مع مجموعة جديدة من طلاب MIT. هذه المرة، اختار الأغلبية الخيار الأرخص، أي النسخة الإلكترونية، بينما اختار قلة العرض الشامل. أي أنه حتى لو لم يرد أحد شراء العرض الذي يقدم فائدة قليلة لهم مقابل 125$، إلا أنه لم يكن عرضاً عديم الفائدة تماماً – ففي الحقيقة، هو كان السبب في القرارات التي اتخذها الناس من بين الخيارين الأفضل وذلك بجعل خيار الصفقة الشاملة تبدو أنها تقدم لهم الفائدة الأكبر.

يسمى هذا الخطأ بتأثير الارتساء  Anchoring Effect، لأننا نميل للتركيز على فائدة معينة ومقارنتها مع خياراتنا الأخرى، لرؤية الفرق بين الفوائد بدل رؤية فائدة كل خيار على حدى.

إزالة الخيار “الغير مفيد” عندما نقوم باتخاذ القرار  يساعدنا في الاختيار بحكمة. كما يقول دان أن جزءاً كبيراً من المشكلة يأتي من مجرد عدم معرفة ما نفضل بشكل جيد، لذا فقد تكون هذه هي المنطقة التي علينا التركيز عليها.

 

7. نحن نصدق ذكرياتنا أكثر مما نصدق الحقائق

ذكرياتنا فضفاضة وهي عرضة للخطأ. ومع هذا، نحن دون وعي منا نفضلها على الحقائق الموضوعية. ما يعرف باسم “الاستدلال بالمتاح Availability Heuristic” مثال جيد عن هذا. إليكم كيف تحدث:

تخيل نفسك تقرأ نصاً إنجليزياً من صفحة، ثم تُسأل عن عدد الكلمات التي تنتهي ب”ing” أو كلمات فيها الحرف القبل الأخبر هو حرف “n”. لاشك أنه من الصعوبة أن يوجد كلمات تنتهي ب “ing” أكثر من كلمات تنتهي ب “n” كحرف ما قبل الأخير (استغرقني الأمر وقتاً طويلاً لفهم ذلك لكن اقرأ في أي صفحة وستفهم ذلك). على كلٍ، الكلمات التي تنتهي ب “ing” تذكرها أسهل من كلمات مثل “hand” أو أي كلمة فيها الحرف قبل الأخير “n”، لهذا فنحن نجيب تلقائيا بأن هناك “ing” أكثر.

ما يحدث هنا هو أننا نعتمد في إجابتنا على هذا السؤال الاحتمالي (أي، فيما إذا كان هناك احتمال وجود كلمات تنتهي ب “ing” أكثر في الصفحة) على عدد الأمثلة التي تصادفنا عند القراءة. وتجعلنا مشكلتنا في استعادة كلمات فيها “n” الحرف ما قبل الأخير نعتقد أن هذه الكلمات لم تتكرر كثيراً، فنحن دون وعي منا نتجاهل الحقائق الواضحة أمامنا.

على الرغم من أن “الاستدلال بالمتاح” هي عملية طبيعية في تفكيرنا، إلا أن عالمين من شيكاغو شرحا لنا كم أنها تسبب خطأ كبيراً:

الأدلة الإحصائية تتغلب  في كل مرة على استخدام “الاستدلال بالمتاح”.

ما هو الدرس إذا؟ انظر إلى الحقائق كلما كان بإمكانك ذلك. انظر إلى البيانات. لا تعتمد في قرارك على حدسك دون على الأقل الاطلاع على البيانات بموضوعية أولاً.

 

8. نحن نولي انتباهاً كثيراً للصورة النمطية أكثر مما نعتقد

الشيء الظريف في الكثير من هذه الأخطاء هو أنها راسخة جداً، مما يدفعني للتساؤل لماذا تسمى بالأخطاء أصلاً.

إليك هنا واحدة أخرى تشرح كيف أننا بكل بساطة نتجاهل الحقائق:

العقل البشري متمسك جداً بالأنماط، وهي تحرفه كثيراً  و بدل الاعتماد على حقائق ذات صلة، تستولي عليه الوصوف المفعمة بالحيوية، حتى عندما تكون تتحدى المنطق.

إليك مثالاً هنا يشرح هذا الخطأ من الباحثين دانييل كاهنمان وأموس تفيريكسي:

في عام 1983 أجرى كانينهام وتفيرسكي تجربة لمعرفة كيف يعمل التفكير البشري الغير منطقي من خلال وصف هذا الشخص التخيلي:

ليندا امرأة  في الواحدة والثلاثين، عزباء، جريئة، ذكية جداً، وقد اختصت في الفلسفة. كطالبة، كانت مهتمة جداً بقضايا التمييز العنصري والعدالة الاجتماعية، وشاركت في مظاهرات ضد استخدام الطاقة النووية.

طلب الباحثون من الناس أن يقرؤوا الوصف، ثم سألوهم هذا السؤال:

أي الاحتمالات أقوى:

  1. ليندا تعمل كصراف في البنك.
  2. ليندا تعمل كصراف في البنك وناشطة في حقوق النساء.

هنا يصبح الموقف خادعاً أكثر للفهم (على الأقل بالنسبة لي)، إذا كان الجواب رقم 2 هو الصح، فإن السؤال رقم 1 صحيح أيضاً. هذا يعني أن الجواب 2 لا يمكن أن يكون الجواب على هذا سؤال مبني على الاحتمالات.

للأسف، القليل منا يدركون هذا، لأن التفاصيل في الجواب الثاني تسيطر علينا. وبالإضافة لهذا، الأنماط راسخة جداً في عقولنا بحيث أننا نطبقها على الآخرين دون وعي.

ومع هذا فإن 85% من الناس اختاروا الإجابة رقم 2.

ومرة أخرى، نرى كيف أننا نصبح غير عقلانيين وغير منطقيين، حتى عندما تبدو الحقائق واضحة.

أحب هذا الاقتباس من الباحث دانييل كاهنمان حول الاختلاف بين علم الاقتصاد وعلم النفس:

تفاجأت حقاً. زميلي الاقتصادي يعمل في المبنى المجاور، ولكن لم أقدر الاختلاف الكبير عالمينا المعرفيين. فبالنسبة لعالم النفس من البديهي أن الناس ليسوا كلياً منطقيين وليسوا كلياً أنانيين، وأذواقهم بعيدة جدا عن ما يمكن وصفه بأنها مستقرة.

بصراحة، من الطبيعي أن نكون غير عقلانيين وأن نفكر بشكل غير منطقي حتى لو كنا نادراً ما نميز أننا نقوم بذلك. ومع هذا، إداركنا للأخطاء التي نقع فيها عندما نتخذ قراراتنا يمكن أن يساعدنا على الأقل في تمييزها، إن لم يكن في تجنبها.

 

 

نُشر المقال الأصلي في موقع Buffer، ثم نشر في موقع مجلة فاست كومباني وكان من المقالات الأكثر قراءة في عام 2013. لكن ترجمة المقال التي قرؤونها هنا فقد أتت من النسخة التي نشرها موقع بزنس إنسايدر.




ما رأيك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.