كيف تغير العناوين طريقة تفكيرنا

“لماذا العناوين مهمة.” “العناوين المبهمة يمكن أن تضللك”. “كيف يؤثر ما تقرؤه على ما تراه”. “كيف تصنع العناوين السيئة ذكريات سيئة”. “11 سبباً لكون العناوين مهمة”. “لن تصدق كم مهمٌ أن يكون العنوان دقيقاً”.

هذه كلها عناوين محتملة لهذه المقالة كنت قد ناقشتها مع محرر المقال. قد يكون العنوان الذي انتقيناه هو الجزء الأكثر أهمية في المقال. الكل يعرف هذه الأيام أن العناوين تحدّد كم شخصاً سيقرأ المقال، وخاصة في عصر شبكات التواصل الاجتماعي. والمثير أكثر في الأمر، أن العنوان يغيّر طريقة قراءة الناس للمقالة وطريقة تذكرهم لها. فالعنوان يمكن أن يخبرك ما نوع المقال التي أنت لا وشك قراءته-خبر، رأي، بحث- وهو أيضاً يحدد نبرة ما سيأتي بعده.

عرف علماء النفس منذ زمن بعيد أن الانطباع الأول مهم جداً. فما نراه، أو نسمعه، أو نشعر به، أو نختبره في  مواجهتنا الأولى مع شيء، يلوّن كيف نعالج بقيته. وليست المقالات استثناءً .وتماماً كما يمكن للناس التحكم بالانطباع الذي يحُدثونه من خلال اختيارهم لملابسهم، كذلك يمكن لصياغة العنوان أن تغير بدهاء فهم ما يلي من نص. فمن خلال جذب الانتباه نحو تفاصيل معينة أو حقائق، يمكن للعنوان أن يؤثر في تحديد ما هي المعارف القائمة  في رأسك التي سيتم تفعليها. وبحسب الكلمات المنتقاة في العنوان، يمكن للعنوان أن يؤثر في توجهك الفكري بينما تقرأ بحيث أنك لاحقاً تسترجع التفاصيل التي تتوافق مع ما كنت تتوقعه. مثلاً، أحد العناوين الذي كتبتها لهذا المقال كان “جين وراثي يجعلك تحتاج لنوم أقل؟” ليس عنواناً دقيقاً بأي حال من الأحوال. لكنه على الأغلب يحث على التركيز على جزء محدد في المقال. لو أنني دعوته بدل ذلك “لماذا نحتاج لثماني ساعات من النوم” كان الناس سيتذكرونه بشكل مختلف.

ونتيجة لهذه التحولات في الإدراك، تظهر مشاكل عندما يحتوي العنوان ولو على القليل جداً من التضليل. “تلوث الجو هو الآن مسبب أساسي لسرطان الرئة” كان عنواناً في المملكة المتحدة العام الماضي في صحيفة ديلي إكسبريس. لكن نص المقال لم يقل شيئاً كهذا أبداً، أو بالأحرى، لم يقل هكذا بالضبط. كان المقال تقريراً عن أن التلوث كان سبباً “بيئياً” أساسياً، والمسببات الأخرى مثل التدخين، لا زالت المجرم الأكبر. من السهل فهم القرار في استخدام هذا النوع من الافتتاحيات، فالمقالات التحذيرية لا تسع في عمود واحد، وحالما يثار اهتمام الناس لقراءة القصة، سيصلون للمعنى الدقيق.  لكن، كما سيتضح، فإن قراءة المقال قد لا تكون كافية لتصحيح التضليل في العنوان.

هذه الأشكال من المناورات المضللة هي ما كان يتفحصه ألريتش إيكر، عالم النفس، وعالم علم الأعصاب الإدراكي في جامعة ويسترن أستراليا عندما قرر اختبار كيف تؤثر تحويلات بسيطة –ومضللة قليلاً-  على القراءة. كان إيكر قد بحث في عمل سابق له في التضليل الصريح:  أي عندما تؤثر فيك المعلومات المتحيزة مهما أُخبرت بعد ذلك من معلومات. لكن هذه المرة، أراد إيكر أن يرى كيف سيكون تأثير انزياح قليل مع تضليل قليل.

في سلسلة من الدراسات، نشرت في دورية علم النفس التجريبي: تطبيقي، جعل إيكر الناس في أستراليا يقرؤون مقالات رأي أو مقالات وقائعية (مدعمة بحقائق)، حيث المتغير كان العنوان. (جعل الخاضعين للتجربة يقرؤون أربع مقالات – اثنتان منهما مقالات وقائعية ، واثنتان منهما مقالات رأي). تحدثت مثلاً إحدى المقالات الوقائعية عن التغير في معدلات جرائم السطو خلال السنة الماضية – بزيادة 0.2 بالمئة- والتي يقابلها تراجعٌ بمعدل 10 بالمئة في العقد الماضي. أشارت المقالة إلى أن هذه الزيادة البسيطة، كانت أمرا هامشياً، أما المهم فهو التوجه على المدى البعيد. وقد قام العنوان المرافق للمقال إما بالتركيز على الارتفاع أو الانخفاض: “عدد جرائم السطو يرتفع” و “هبوط في معدلات جرائم السطو” على الترتيب. وبدورها مقالة الرأي أخذت مقتطفات من أفكار خبراء في مقابل أفكار أشخاص عاديين. مثلاً، قارنت أحد المقالات مخاوف الشخص العادي حيال سلامة الأطعمة المعدلة وراثياً مع رأي عالِم من شركة وهمية هي شركة علوم الطعام العضوي في أستراليا. ركز العنوان على واحد من الوجهين، أي أن العنوان كان إما “الأطعمة المعدلة وراثياً قد تشكل أخطاراً صحية على المدى البعيد” أو “الأطعمة المعدلة وراثياً سليمة”. قام كل مشارك بقراءة المقالات الأربع. كان هدف إيكر اختبار فيما إذا كان هناك أهمية لمقدار التزوير الحاصل. في المقالة الواقعية، كان التضليل جلياً – كانت كل المقالة حول توجه عريض، لكن مع تحريف واضح صغير. أما مقالة الرأي، فقد كانت أكثر مكراً، لأنها في المقام الأول مقالة رأي، وقد أعطي كل صوت مساحة للتعبير، والأمر يعود للقارئ ليحكم كيف ينظر للرأيين.

بعد قراءة كل مقال، قام طلاب من جامعة ويسترن أستراليا بتقييم كل منها على مؤشر من خمس مستويات، لقياس أشياء مثل مدى متعتها، وسهولة القراءة. حالما ينتهي الطالب من كامل المقالات، كان يعطى اختباراً مفاجئاً من ست أسئلة تتعلق بما يتذكره وما يستنتجه.

لقد تبين أن العنوان قد قام بأكثر من مجرد إعادة صياغة المقال. ففي حالة المقالات الوقائعية، يؤذي العنوان المضلل قدرة القارئ على استعادة تفاصيل المقال. أي أن الأجزاء التي تماشت مع العنوان مثل تراجع معدل جرائم السطو، كان تذكرها أسهل مقارنة بالاتجاه الآخر الذي لم يرد في العنوان. لكن الاستنتاجات من المقال بقيت قوية: فالتضليل كان فاضحاً بما فيه الكفاية بحيث أن القراء أدركوا وجوده وقاموا بتصحيح انطباعهم عنه بالشكل المناسب. بحسب الدراسة، “بغض النظر عن العنوان الذي رأوه، فقد تنبؤوا أنه في السنة القادمة سينخفض معدل الجريمة”.

في حالة مقالات الرأي، فإن العنوان المضلل، مثل ذلك الذي يقترح أن الأطعمة المعدلة وراثياً خطيرة، عطلت قدرت القارئ على القيام باستنتاجات دقيقة. مثلاً، عندما طُلب من الناس توقع التكاليف الصحية المستقبلية للأطعمة المعدلة وراثياً، فإن الناس الذين كانوا قد قرؤوا العنوان المضلل تنبؤوا بتكلفة كبيرة جداً أكثر مما حذر به المقال.

بالنسبة للمحررين والقرّاء أصحاب الضمير الحي، كانت النتائج التي توصل لها إيكر مسببة للقلق. أولاً، لأن التضليل يسبب ضرراً أكثر عندما يكون غير واضح مقارنة بما يسببه عندما يكون مكشوفاً. فنحن نرى الخطأ في الأخير ونقوم بتصحيحه بينما نقرأ. أما الأول فأكثر مكراً وإلحاحاً. وهو على الأغلب، ولسوء الحظ،  يقع  نتيجة إهمال أو تسرّع أكثر من كونه فعلاً متعمداً لتضليل القرّاء. خذ على سبيل المثال هذه المقال من مجلة التايم في شهر مايو. “بيع لوحة مقلدة يتطلب أكثر من مجرد فنان جيد” يقول العنوان، و بجانبه، صورة لمالك معرض ليس مذنباً بأي شكل. إنه إقحام في جريمة مقترن مع صورة.

وإليك أمراً آخر: كل صحفي تقريباً عاش تجربة أبدى فيها القرّاء غضبهم ورفضهم أو أي شكل من أشكال الرد السلبي على مقالة ما فقط بسبب عنوانها. “اقرأ المقال” يصرخ الكاتب عادة. لكن، وهذا ما تظهره أبحاث إيكر، قراءة المقال قد لا تكون كافية عند وجود عنوان خاطئ. وحتى القراء أصحاب النية السليمة الذين يقرؤون كامل المقال قد  يعتمد رد فعلهم على الصياغة الأولية للمقال.

لو أنني عنونت هذا المقال “لماذا العناوين مهمة”، كنت عندها أختار الخيار الأعرض. وقد تتذكر في الأسبوع القادم أن العناوين مهمة، ولكنك لن تتذكر بما فيه الكفاية لإخبار صديقك بالسبب وراء أهميتها. ولو أنني عنونتها “العناوين المبهمة يمكن أن تضللك”، لكنتَ عندها ستنسى تفاصيل الدراسة التي تُظهر أن بإمكاننا في الحقيقة التغلب على العناوين التي فيها معلومات خاطئة. ماذا عن “11 سبباً لماذا عناوين المقالات مهمة”؟ قد يجعل هذا أناساً أكثر يضغطون لقراءة المقال لكنهم ربما لن يحتفظوا بالمعلومات. ليس من السهل دائماً أن تكون ممتعاً ودقيقاً، لكن كما تظهر دراسة إيكر، يبقى هذا أفضل من أن تكون مقالتك ممتعة وخاطئة.

 

نشرت النسخة الإنجليزية من هذا المقال في موقع مجلة النيويوركر.




ما رأيك؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.